القرطبي

69

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

عفت ذات الأصابع فالجواء * إلى عذراء منزلها خلاء ( 1 ) ديار من بنى الحسحاس قفر * تعفيها الروامس والسماء ( 2 ) وكانت لا يزال بها أنيس * خلال مروجها نعم وشاء فالنعم هنا الإبل خاصة . وقال الجوهري : والنعم واحد الانعام وهي المال الراعية ، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل . قال الفراء : هو ذكر لا يؤنث ، يقولون : هذا نعم وارد ، ويجمع على نعمان مثل حمل وحملان . والانعام تذكر وتؤنث ، قال الله تعالى : " مما في بطونه ( 3 ) " . وفى موضع " مما في بطونها ( 4 ) " . وانتصب الانعام عطفا على الانسان ، أو بفعل مقتدر ، وهو أوجه . الثانية - قوله تعالى : ( دف ء ) الدف ء : السخانة ، وهو ما استدفئ به من أصوافها وأوبارها وأشعارها ، ملابس ولحف وقطف ( 5 ) . وروى عن ابن عباس : دفؤها نسلها ، والله أعلم . قال الجوهري في الصحاح : الدف ء نتاج الإبل وألبانها وما ينتفع به منها ، قال الله تعالى : " لكم فيها دف ء " . وفى الحديث " لنا من دفئهم ما سلموا بالميثاق " . والدف ء أيضا : السخونة ، تقول منه : دفئ الرجل دفاءة مثل كره كراهة . وكذلك دفئ دفأ مثل ظمئ ظمأ . والاسم الدف ء ( بالكسر ) وهو الشئ الذي يدفئك ، والجمع الادفاء . تقول : ما عليه دف ء ، لأنه اسم . ولا تقول : ما عليك دفاءة ، لأنه مصدر . وتقول : اقعد في دف ء هذا الحائط أي كنه . ورجل دفئ على فعل إذا لبس ما يدفئه . وكذلك رجل دفآن وامرأة دفأى . وقد أدفأه الثوب وتدفأ هو بالثوب واستدفأ به ، وأدفأ به وهو افتعل ، أي ما لبس ما يدفئه . ودفؤت ليلتنا ، ويوم دفئ على فعيل وليلة دفيئة ، وكذلك الثوب والبيت . والمدفئة الإبل الكثيرة ، لان بعضها يدفئ بعضا بأنفاسها ، وقد يشدد . والمدفأة الإبل الكثيرة الأوبار والشحوم ، عن الأصمعي . وأنشد الشماخ : وكيف يضيع صاحب مدفآت * على أثباجهن من الصقيع ( 6 )

--> ( 1 ) ذات الأصابع والجوزاء : موضعان بالشام . وعذراء : قرية بغوطة دمشق . ( 2 ) الحساس : اسم رجل . والروامس : الرياح التي تثير التراب وتدفن الآثار . ( 3 ) راجع ص 122 من هذا الجزء . ( 4 ) راجع ج 12 ص 117 . ( 5 ) القطف ( جمع قطيفة ) كساء له خمل ، أي وبر . ( 6 ) أثباج : جمع ثبج ، وهو أوسطها . وقيل : ما بين كلها وظهرها .